في عصر باتت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة يومية لعرض تفاصيل الحياة، أصبح من المعتاد جداً رؤية صور الأطفال تملأ الحسابات الشخصية والعامة. سواء كان ذلك في طابور الصباح المدرسي، أو في حفل تخرج برياض الأطفال، أو خلال الأنشطة الترفيهية والمراكز الصيفية. ورغم أن النوايا خلف التقاط ونشر هذه الصور تكون غالباً بريئة وتهدف لمشاركة الفرحة، إلا أن الكثيرين يجهلون الخطورة القانونية والجنائية المترتبة على نشر صور القُصّر دون موافقة خطية صريحة من أولياء أمورهم.
رسم المشرّع الإماراتي حدوداً حمراء صارمة لحماية الأطفال وقمع أي سلوك ينتهك خصوصيتهم الرقمية، مستنداً إلى ترسانة تشريعية متطورة تضع حماية الطفل في صدارة أولوياتها.
حماية خصوصية الأطفال: ما الذي يمنعه القانون؟
يعتبر الأطفال (القاصرين دون سن 18 عاماً) في نظر القانون فئة ضعيفة تستوجب رعاية وحماية خاصة، كونهم لا يملكون الأهلية القانونية للموافقة على نشر صورهم أو بياناتهم الشخصية. لذلك، فإن هذه الصلاحية تنحصر قانوناً وحصراً بـ “الولي أو الوصي الشرعي” (الوالدين).
ينص قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية الإماراتي وقانون حقوق الطفل (وديمة) على حظر ارتكاب أي فعل من شأنه انتهاك خصوصية الطفل أو تعريضه للخطر. وتندرج تحت هذا الحظر الممارسات التالية في الفعاليات المدرسية أو الترفيهية:
- تصوير الأطفال بشكل منفرد أو مركّز: التقاط صور أو مقاطع فيديو لطفل معين بذاته دون إذن والده، حتى لو كان ذلك داخل المدرسة أو في ملعب ترفيهي عام.
- النشر الإلكتروني: أخذ صور الفعاليات الجماعية (مثل صور الفصل الدراسي أو حفلات التخرج) ونشرها على حسابات المعلمين الشخصية، أو حسابات أولياء أمور آخرين، أو حتى حسابات المدارس والمراكز الترفيهية دون الحصول على تفويض رسمي موقع من أهالي الأطفال الظاهرين في الصورة.
العقوبات الجنائية المترتبة على المخالفة
لا يكتفي القانون بالتوجيه والإرشاد، بل يفرض عقوبات جنائية رادعة على كل من يتعدى على خصوصية الأطفال عبر الإنترنت. فوفقاً للمادة 44 من قانون الجرائم الإلكترونية والمواد المرتبطة بحماية حقوق الطفل في قانون “وديمة”، فإن نشر صور ومقاطع فيديو للقصر دون إذن الولي يعرض الفاعل للتالي:
- عقوبة الحبس: مدة لا تقل عن ستة أشهر.
- الغرامات المالية الصادمة: تبدأ من 150,000 درهم وتصل إلى 500,000 درهم إماراتي.
- التشديد في حال التشهير أو السخرية: إذا تم استخدام الصورة في سياق يسيء للطفل أو يعرضه للتنمر أو الاستهزاء، تغلظ العقوبة لتصل إلى الحبس لمدة لا تقل عن سنة وغرامة تصل إلى نصف مليون درهم.
- المسؤولية القانونية على المؤسسات: تلتزم المدارس والحضانات ومراكز الألعاب بالحصول على “استمارة موافقة خطية” من أولياء الأمور قبل تصوير ونشر أي نشاط يخص الأطفال. وفي حال المخالفة، قد تواجه المؤسسة غرامات إدارية وقانونية جسيمة إلى جانب المسؤولية الشخصية للموظف الفاعل.
المخاطر الأمنية والاجتماعية وراء المنع القانوني
لم يضع المشرّع هذه العقوبات الصارمة من فراغ، بل لحماية الأطفال من مخاطر حقيقية ومخيفة في الفضاء الرقمي، ومنها:
- السرقة الرقمية للهوية: استخدام صور الأطفال من قبل مجهولين لإنشاء حسابات وهمية بغرض الاحتيال.
- مخاطر الاستدراج والتعقب: نشر صور الأطفال بملابسهم المدرسية أو في أماكن ترفيهية محددة يسهل على أصحاب النفوس الضعيفة تحديد مواقعهم وأوقات تواجدهم بدقة، مما يهدد سلامتهم الشخصية.
نصيحة قانونية لحماية نفسك ومؤسستك
إذا كنت معلماً، أو مدرباً، أو منظماً لفعاليات الأطفال، أو حتى ولي أمر يود توثيق فرحة ابنه مع زملائه؛ تذكر دائماً ألا تنشر أي صورة جماعية يظهر فيها أطفال آخرون بوجوه واضحة دون إذن عائلاتهم. احرص على استخدام خاصية التغبيش (Blur) لإخفاء ملامح الأطفال الآخرين، واعلم أن احترام خصوصية الصغار هو واجب قانوني يحميك من المساءلة الجنائية ويحافظ على سلامة جيل المستقبل.
لأي استشارات قانونية حول انتهاك الخصوصية لا تتردد بالتواصل مع افضل المحامين في دبي لدى مكتب سعيد المهيري للحلول القانونية.